الشيخ محمد النهاوندي

367

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

وفيه من الوهن ما لا يخفى ، إذ يكفي في إضافة هذه الأمور إليه تعالى على وجه الحقيقة ، إضافة إيجاد أسبابها إليه . وأمّا قوله : إنّ إضافتها بواسطة الأسباب إليه مجاز لا يصار إليه إلّا بعد تعذّر الحقيقة ، فممنوع أشّد المنع ، لوضوح كون إسناد الكتابة التي تحصل بتوسّط القلم إلى الكاتب الشاعر المختار حقيقة عند العرف . نعم ، لو كان الواسطة فاعلا عاقلا مختارا ، أمكن أن يكون الإسناد إلى غير المباشر مجازا ، كإسناد فتح البلد إلى الأمير . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 156 ] الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ( 156 ) ثمّ أنّه تعالى وصف الصّابرين بأنّهم الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ ووصلت إليهم مُصِيبَةٌ وبليّة وكريهة قالُوا تسكينا لقلوبهم ، وتسهيلا لتحمّلها على أنفسهم إِنَّا مملوكون لِلَّهِ مخلوقون بقدرته ، مقهورون تحت إرادته ، متقلّبون في قبضته بمشيئته وَإِنَّا بعد الموت والخروج من هذه الدنيا الفانية إِلَيْهِ وإلى حكمه ورحمته وقدرته وسلطانه راجِعُونَ كما كنّا قبل ولادتنا ودخولنا في تكفّل الآباء تحت قدرته وسلطنته ، لم يكن لأحد علينا في العوالم السابقة من أصلاب الآباء وأرحام الأمّهات تصرّف وتدبير وإرادة وتقدير ، بل كنّا نتقلّب وتعيش فيها بالعيش المناسب لها بمشيئته وحكمته وقضائه وقدره . ففي الجملة الأولى إقرار بالمبدأ ، وفي الثانية : بالمعاد . ولا ريب أنّ معرفتهما من أكمل المسكّنات للقلب عند نزول ما يشقّ عليه تحمّله ، ورؤية ما لا يلائم طبعه ، حيث إنّ العبد إذا عرف أنّه لا وجود له إلّا بإفاضة اللّه ، ولا إرادة له عند إرادته ، ولا تصرّف له في شيء من أموره ، ولا معرفة له بمصالحه ومفاسده ، وأنّ هذه الحياة الدنيا منقطعة ، ونعمها زائلة ، وأنّه منتقل منها إلى دار الجزاء وعالم البقاء ، رضي برضا اللّه ، وسلّم الأمر إليه ، وهان عليه جميع ما يرد عليه من البلايا والمكاره . عن ابن مسعود رضى اللّه عنه : لئن أخرّ من السّماء أحبّ إليّ من أن أقول في شيء قضاه اللّه : ليته لم يكن « 1 » . وروي أنّه كلّما اشتدّ الأمر على الحسين بن عليّ عليهما السّلام في يوم الطّفّ أشرق وجهه سرورا « 2 » . وأنّ حبيب بن مظاهر كان يضحك في ذلك اليوم . فقيل له في ذلك ، فقال : أيّ موضع أحقّ بالسّرور من

--> ( 1 ) . تفسير الرازي 4 : 155 . ( 2 ) . بحار الأنوار 44 : 297 / 2 .